القاضي عبد الجبار الهمذاني
184
المغني في أبواب التوحيد والعدل
كان لولا هذا الاعتقاد لحصل الإلجاء المانع من التكليف . فهلا قلتم على هذا الأصل إن دعاء إبليس بمنزلة زيادة الشهوة ؟ قيل له : إننا لا ننكر أن للاعتقادات تأثيرا في هذا الباب ، وإنما أنكرنا أن نغير حال الفعل في وجه المشقة كما تغيره زيادة الشهوة . ألا ترى أن زيادتها لما أثرت « 1 » في الامتناع من القبيح المشتهى فصيرته أشق ، لم تتغير حاله بالاعتقاد ؟ وقد علمنا أن دعاء إبليس يتغير حكمه ، فمرة يعتقد المكلّف أن امتناعه مما دعاه إليه أشق ، ومرة لا يعتقد ذلك . والواجب عليه أن لا يعتقد هذا المعنى فيه ، وأن يستمر على مقتضى عقله فيما يجب أن يمتنع منه . وإذا صح ذلك ، لم يخرج المكلّف مع الدعاء من أن يتمكن من الامتناع من القبيح على حد ما كان يتمكن لولا الدعاء بأن لا تتغير معرفته ولا يعتقد ما يجرى مجرى الجهل . وليس كذلك حال المكلّف عند زيادة الشهوة ، لأنه لا يوصف بالقدرة على أن يغير حاله في صعوبة الامتناع من القبيح / عليه . وهذا فرق بيّن . فإن قال : خبرونى عن ( ) « 2 » المكلف الّذي يدعوه إبليس إلى القبيح فيقدم عليه . أتقولون : إنه تعالى لو كلفه الامتناع من هذا القبيح مع منع إبليس ، كانت المفسدة تزول لا محالة والمصلحة تحصل ؟ أو تقولون : إن ذلك كان لا يحصل إلا عند امتناعه من القبيح مع وقوع الدعاء ؟ فإن قلتم : كان لا يحصل هذا الغرض ، فتمكينه تعالى إبليس من الدعاء يجرى مجرى المنع من المصلحة ، فيجب أن لا يحسن ؛ كما لا يحسن منه تعالى في فعل الإيمان أن « 3 » لا يفعل اللطف الّذي عنده يختار المكلف على وجه المصلحة .
--> ( 1 ) في الأصل : أثر . ( 2 ) كلمة غير واضحة . ( 3 ) ساقطة في الأصل .